ابن الحسن النباهي الأندلسي

58

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الأرض ، أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته ؟ » قال : « لا يراه إلّا من كان في محاذاته » . قلت : « فما أنكرت من انشقاق القمر ، إذا كان في ناحية لا يراه إلّا أهل تلك الناحية ومن تأهّب للنظر له ، فأما من أعرض عنه أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها ، فلا يراه » فقال : « هو كما قلت ! ما يدفعك عنه دافع ! وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوا . وأما الطعن في غير هذا الوجه ، فليس بصحيح » فقال الملك : « وكيف يطعن في النقلة ؟ » فقال النصرانيّ : « تنبيه هذا من الآيات : إذا صحّ وجه أن ينقله الجمّ الغفير ، حتى يتّصل بها العلم به ؛ ولو كان كذلك ، لوقع لنا العلم الضروريّ به . فلمّا لم يقع ، دلّ على أنّ الخبر مفتعل باطل » . فالتفت الملك إليّ وقال : « الجواب ؟ » قلت : « يلزمه في نزول المائدة ما لزمني في انشقاق القمر ؛ ويقال له : لو كان نزول المائدة صحيحا ، لوجب أن ينقله العدد الكثير ؛ فلو نقله العدد الكثير ، فلا يبقى يهوديّ ولا نصرانيّ ، إلّا ويعلم هذا بالضرورة ؛ ولمّا لم يعلموا ذلك بالضرورة ، دلّ على أنّ الخبر كذب » فبهت النصرانيّ والملك ومن ضمّه المجلس ، وانفصل المجلس على هذا . قال القاضي : سألني الملك في مجلس آخر فقال : « ما تقولون في المسيح عيسى ابن مريم ، عليه الصلاة والسلام ؟ قلت : « روح اللّه ، وكلمته ، وعبده ، ونبيّه ، ورسوله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ « 1 » وتلوت عليه النصّ . فقال : « يا مسلم ، تقولون : المسيح عبد ؟ فقلت : « نعم ؟ كذا نقول وبه ندين » قال : « ولا تقولون إنه ابن اللّه ؟ » قلت : مَعاذَ اللَّهِ * « 2 » مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ « 3 » الآيتان . إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً « 4 » . فإذا جعلتم المسيح ابن اللّه ، فمن كان أبوه ، وأخوه ، وجدّه ، وخاله ، وعمّه ؟ » وعددت عليه الأقارب . فتحيّر وقال : « يا مسلم » العبد يخلق ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه « 5 » والأبرص ؟ » فقلت :

--> ( 1 ) سورة آل عمران 3 ، الآية : 59 . ( 2 ) سورة يوسف 12 ، الآيتان : 23 ، 79 . ( 3 ) سورة المؤمنون 23 ، الآية : 91 . ( 4 ) سورة الإسراء 17 ، الآية : 40 . ( 5 ) الأكمه : ذو الكمة ، والكمة هو العمى يولد به الإنسان . محيط المحيط ( كمه ) .